نتوقع الطقس قبل أيام بدقة معقولة، ونحسب مواعيد الكسوف قبل قرون، لكننا نعجز عن قول متى يقع الزلزال القادم بعد ساعة. هذه المفارقة تحيّر كثيرين، وجوابها ليس نقصًا في الأجهزة، بل طبيعة الظاهرة نفسها التي تجعل التنبؤ الدقيق بها أقرب إلى المستحيل لا الصعب فقط.

⚡ أبرز النقاط

  • الزلزال يقع في أعماق لا نصل إليها بالقياس المباشر.
  • الفرق جوهري بين توقّع الاحتمال وتحديد اللحظة الدقيقة.
  • العلم يتنبأ بأين ومدى الخطر لا بمتى بالضبط.
  • لا توجد علامة إنذار مبكر مؤكدة تسبق الزلزال دائمًا.
  • البناء المقاوم يحمي أكثر من أي محاولة توقّع للحظة.

لماذا ننجح مع الكسوف ونفشل مع الزلزال؟

لأن الظاهرتين مختلفتان في جوهرهما تمام الاختلاف.

حركة الكواكب تحكمها قوانين بسيطة نسبيًا وأجسام معدودة، فنحسب مواقعها بعد قرون بدقة الثانية. أما الزلزال فينشأ من تفاعل ملايين النقاط في صخور تحت ضغط هائل، بخصائص تتغير من متر لآخر، وعلى أعماق تبلغ عشرات الكيلومترات لا نستطيع الوصول إليها لنقيسها مباشرة. النظام هنا معقد وخفي معًا، وهذا مزيج قاتل لأي تنبؤ دقيق.

المشكلة إذن ليست ضعف حواسيبنا. حتى لو امتلكنا حاسوبًا مثاليًا، تبقى البيانات الأساسية — حالة الصخور في العمق لحظة بلحظة — بعيدة عن متناولنا. لا يمكن التنبؤ الدقيق بما لا نستطيع قياسه.

التنبؤ غير الاحتمال

هنا يقع أهم خلط في الموضوع كله.

التنبؤ أن نقول: زلزال بقوة كذا سيضرب هذه المدينة يوم الثلاثاء الساعة الثالثة. هذا ما لا يستطيعه أحد اليوم ولا يَعِد به عالم جادّ. أما الاحتمال فأن نقول: هذه المنطقة معرّضة لزلزال قوي خلال العقود القادمة باحتمال مرتفع بناءً على تاريخها وحركة صفائحها. هذا ما يتقنه العلم فعلًا، وهو مفيد رغم أنه لا يحدد لحظة.

الفرق بينهما كالفرق بين قول «سيموت هذا الشخص الأربعاء» وقول «التدخين يرفع خطر الوفاة المبكرة». الثاني علم نافع رغم أنه لا يعيّن يومًا؛ والأول ادعاء لا يسنده شيء.

ما يستطيعه العلم وما لا يستطيعه
السؤالهل يُجاب؟
أين مناطق الخطر؟نعم بدقة جيدة
ما الشدة المحتملة؟نعم تقريبًا
متى بالضبط؟لا
هل من إنذار قبلها بدقائق؟أحيانًا لا دائمًا
كيف نقلّل الضحايا؟نعم — بالبناء المقاوم

لهذا حين تقرأ خبرًا يزعم «توقّع» زلزال في يوم محدد، فالأرجح أنه تخمين لا علم. العلم يتحدث بلغة الاحتمال والمناطق، لا بلغة المواعيد المضبوطة.

ماذا عن علامات الإنذار المبكر؟

بعضها حقيقي لكن لا شيء منها مؤكد.

دُرست علامات كثيرة يُقال إنها تسبق الزلازل: سلوك غريب للحيوانات، وتغيرات في المياه الجوفية، وهزات صغيرة تمهيدية. المشكلة أن أيًّا منها لا يظهر قبل كل زلزال، وكثيرًا ما يظهر دون أن يتبعه زلزال أصلًا. علامة تفشل نصف الوقت لا تصلح أساسًا لإخلاء مدينة، لأن الإنذار الكاذب المتكرر يقتل الثقة ويشلّ الاستجابة عند الخطر الحقيقي.

أما أنظمة الإنذار اللحظي فتعمل بمنطق مختلف تمامًا: لا تتنبأ بالزلزال، بل ترصده بعد بدايته وترسل تحذيرًا يسبق وصول الموجة المدمّرة بثوانٍ معدودة. هذه الثواني تكفي لإيقاف قطار أو قطع غاز، لكنها ليست تنبؤًا بل سباق سرعة مع موجة انطلقت فعلًا.

أين يوجّه العلم جهده إذن؟

إلى ما ينقذ الأرواح فعلًا: البناء.

بما أن تحديد اللحظة متعذّر، تحوّل التركيز إلى ما نتحكم فيه: مبانٍ تتحمل الاهتزاز، وأكواد بناء صارمة في مناطق الخطر، وخطط إخلاء مدرَّبة. الحقيقة القاسية أن الزلازل لا تقتل الناس، بل المباني التي تنهار عليهم؛ والزلزال نفسه بالقوة ذاتها قد يمرّ بلا ضحايا في مدينة تبني جيدًا ويحصد الآلاف في مدينة تتجاهل الأكواد.

  • البناء المقاوم هو خط الدفاع الأول والأهم.
  • تثبيت الأثاث الثقيل يمنع إصابات شائعة داخل البيت.
  • خطة إخلاء ونقطة تجمّع يعرفها كل فرد بالأسرة.
  • الابتعاد عن التخمينات ومتابعة الجهات الرسمية وحدها.

وتبقى الخلاصة التي تريح القارئ من انتظار المستحيل: لا تنتظر من يخبرك متى يقع الزلزال، فهذا لن يأتي؛ انشغل بما يحميك حين يقع، فهذا ما يصنع الفارق بين خبر عابر وكارثة.